ابن كثير
173
البداية والنهاية
مجلسا في شأن ما كان أخذه الوليد منهم ، وكان عمر عادلا ، فأراد أن يرد عليهم ما كان أخذه الوليد منهم فأدخله في الجامع ، ثم حقق عمر القضية ، ثم نظر فإذا الكنائس التي هي خارج البلد لم تدخل في الصلح الذي كتبه لهم الصحابة ، مثل كنيسة دير مران بسفح قاسيون ، وهي بقرية المعظمية ، وكنيسة الراهب ، وكنيسة توما خارج باب توما ، وسائر الكنائس التي بقرى الحواجز ، فخيرهم بين رد ما سألوه وتخريب هذه الكنائس كلها ، أو تبقى تلك الكنائس ويطيبوا نفسا للمسلمين بهذه البقعة ، فاتفقت آراؤهم بعد ثلاثة أيام على إبقاء تلك الكنائس ، ويكتب لهمه كتاب أمان بها ، ويطيبوا نفسا بهذه البقعة ، فكتب لهم كتاب أمان بها . والمقصود أن الجامع الأموي كان حين تكامل بناؤه ليس له في الدنيا مثيل في حسنه وبهجته ، قال الفرزدق : أهل دمشق في بلادهم في قصر من قصور الجنة - يعني الجامع - وقال أحمد بن أبي الحواري عن الوليد بن مسلم عن ابن ثوبان : ما ينبغي لاحد من أهل الأرض أن يكون أشد شوقا إلى الجنة من أهل دمشق ، لما يرون من حسن مسجدها . قالوا : ولما دخل أمير المؤمنين المهدي دمشق يريد زيارة القدس نظر إلى جامع دمشق فقال لكاتبه أبي عبيد الله الأشعري : سبقنا بنو أمية بثلاث ، بهذا المسجد الذي لا أعلم على وجه الأرض مثله ، وبنبل الموالي ، وبعمر بن عبد العزيز ، لا يكون والله فينا مثله أبدا . ثم لما أتى بيت المقدس فنظر إلى الصخرة - وكان عبد الملك بن مروان هو الذي بناها - قال لكاتبه : وهذه رابعة . ولما دخل المأمون دمشق فنظر إلى جامعها وكان معه أخوه المعتصم ، وقاضيه يحيى بن أكثم ، قال : ما أعجب ما فيه ؟ فقال أخوه : هذه الا ذهاب التي فيه ، وقال يحيى بن أكثم : الرخام وهذه العقد ، فقال المأمون : إني إنما أعجب من حسن بنيانه على غير مثال متقدم ، ثم قال المأمون لقاسم الثمار : أخبرني باسم حسن أسمي به جاريتي هذه ، فقال : سمها مسجد دمشق ، فإنه أحسن شئ . وقال عبد الرحمن عن ابن عبد الحكم عن الشافعي قال : عجائب الدنيا خمسة : أحدها منارتكم هذه - يعني منارة ذي القرنين باسكندرية - والثانية أصحاب الرقيم وهم بالروم اثنا عشر رجلا ، والثالثة مرآة بباب الأندلس على باب مدينتها ، يجلس الرجل تحتها فينظر فيها صاحبه من مسافة مائة فرسخ . وقيل ينظر من بالقسطنطينية ، والرابع مسجد دمشق وما يوصف من الانفاق عليه ، والخامس الرخام والفسيفساء ، فإنه لا يدري لها موضع ، ويقال إن الرخام معجون ، والدليل على ذلك أنه يذوب على النار . قال ابن عساكر : وذكر إبراهيم بن أبي الليث الكاتب - وكان قدم دمشق سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة - في رسالة له قال : ثم أمرنا بالانتقال فانتقلت منه إلى بلد تمت محاسنه ، ووافق ظاهره باطنه ، أزقته أرجة ، وشوارعه فرجة ، فحيث ما مشيت شممت طيبا ، وأين سعيت رأيت منظرا عجيبا ، وإن أفضيت إلى جامعه شاهدت منه ما ليس في استطاعة الواصف أن يصفه ، ولا الرائي أن يعرفه ، وجملته أنه كنز الدهر ونادرة الوقت ، وأعجوبة الزمان ، وغريبة الأوقات ، ولقد أثبت الله عز